عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

68

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

يا من يريد الخل يصحب غيره * إن كان حقا من أولي الألباب لم يتسع قلب الفتى في شغله * إلا لشيء واحد وجناب فاترك سواهم إن أردت وصالهم * واهجر هواك وسائر الطلاب وتخل معهم ساعة في خلوة * قد نزهت عن مانع وحجاب وما تخلى في غار حراء صلى اللّه عليه وسلم عن سائر الورى إلا لعلمه أن الحبيب غيور . ولا يسكن قلبا فيه للغير عبور . الوحشة عن الخلق دأب المستأنسين بالحق ، والانفراد في البراري والكهوف . علامة كل واله بالحبيب مشغوف . والخلوة عن الخلق تنتج الجلوة من الحق ، إذا لم تجد الأنس أنس . وقفت مع المحبوب بلا حس . كلما قلّت مسموعات الآذان ومرئيات الأبصار ، قلّت وساوس الصدور وهواجس الأفكار ، وزالت عن القلوب أصدية الأكدار ، فانهمكت بمحبوبها الأرواح ، والأسرار ، واسترسلت في الاشتغال به آناء الليل وأطراف النهار : طابت بمن أهواه لي خلوتي * وتواترت منه به الجلوات لا عيش إلا عيشتي بأحبتي * صارت بهم كالجنة الفلوات ما لي وللدنيا وساكنها ولي * عنها بوصل أحبتي سلوات قد يثقل على النفوس فراق بعض المألوف والمأنوس ويخف على الأرواح في حب من تهواه فراق الأشباح فإن كنت نفسانيا ، أخلدت إلى الأرض . وركضت في طولها والعرض ، وإن كنت روحانيا في الهوى طرت إلى المحبوب إلى النوى ، وفارقت طبعك والهوى ، ما ارتاض خير الأنام في غار حراء من البلد الحرام بترك الطعام والمنام والأنام والكلام إلا لعلمه بأن مقتضيات الجثمان شرك الشرك والكفران ، كلما قوي حكم الجسم على القلب ضعف حكم الأرواح ، وإذا قوي سلطان الروح ضعف قوة حكم الأشباح فأضعف النفس بالجوع . وقوى الروح بترك الهجوع ، واتقي الوساوس بقلة الكلام ، وأخل الوقت مع المحبوب بترك الأنام : قد خلا الوقت بمن أهوى وطاب * ونأى عن وقتنا الواشي وغاب سمح الدهر بطيب الملتقى * يا لها حضرة وصل تستطاب نام عنا عين من يرقبنا * وتجلى الخل من غير حجاب لا رمتنا في النوى حادثة * إنما البعد عن الحب عذاب لست أخشى ريب دهر في الهوى * أنا في ظل حبيبي لا أصاب ليس يدري زمني أين أنا * قد تخليت بخلي في مآب